عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
190
اللباب في علوم الكتاب
وقرأ « 1 » علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ورواها المفضّل عن عاصم - بفتح الياء على بنائه للفاعل ، ومعناه : يستوفون آجالهم ، قاله الزمخشريّ . ويحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازة ، فقال له رجل : من المتوفّي ؟ بكسر الفاء ، فقال : اللّه ، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - على أن أمره بوضع كتاب في النّحو . وقد تقدّم البحث في قوله تعالى : « يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ » وهل « بأنفسهنّ » تأكيد أو لا ؟ وهل نصب « قروء » على الظرف ، أو المفعوليّة ؟ وهو جار ها هنا . قوله : « منكم » في محلّ نصب على الحال من مرفوع « يتوفّون » والعامل فيه محذوف ، تقديره : حال كونهم منكم ، و « من » تحتمل التبعيض وبيان الجنس والأزواج ها هنا . فصل في معنى « التربص » و « التّربّص » : التأنّي والتصبّر عن النّكاح ، وترك الخروج عن مسكن النكاح بألّا تفارقه ليلا ، ولم يذكر اللّه تعالى السّكنى للمتوفّى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلّقة بقوله : أَسْكِنُوهُنَّ [ الطلاق : 1 ] ، وليس في لفظ العدّة في القرآن ما يدلّ على الإحداد « 2 » وإنما قال : « يتربّصن » فبينت السّنّة جميع ذلك .
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 314 ، والبحر المحيط 2 / 323 ، ونسبها أبو حيان إلى علي والمفضل عن عاصم . وانظر : الدر المصون 1 / 577 . ( 2 ) الإحداد مأخوذ من الحد وهو المنع ، يقال : حددت الرجل من كذا ، إذا منعته ، ومنه الحدود الشرعية ، لأنها تمنع من ارتكاب سببها ويقال للبواب : حداد أي : مانع ، ويقال : مزيدا ومجردا ؛ أحدت وحدت . وفي الشرع : قال ابن عرفة : ترك ما هو زينة ولو مع غيره ، فيدخل فيه ترك الخاتم فقط للمبتذلة ، وقوله مع غيره ، معناه : أن ترك ما هو زينة وحده أي ما تتزين به كثوب الزينة وحده واجب ؛ وكذا ما تتزين به مع غيره ، فيدخل في ذلك من كان لها خاتم فقط ، وهي مبتذلة ولا زينة لها فيجب عليها طرح الخاتم ولو حديدا اه من الخرشي قال العلامة العدوي : هذا التعريف غير مانع لشموله من تركت ما هو زينة ، وهي غير معتدة ، سواء كانت ذات زوج أو لا ، مع أنه ليس من الإحداد ولو قال في التعريف : ترك ما هو زينة ، ولو مع غيره لزوجة مات زوجها المسلم - لسلم من ذلك اه . واعلم أن الأصل فيه حديث الصحيحين : « لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر ، أن تحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا » أي : فإنه يحل لها الإحداد عليه ، أي : يجب ؛ للإجماع على إرادته والتقييد بالإيمان جرى على الغالب ، وإلا فالكتابية كذلك إذا مات زوجها المسلم . اعلم أنه يجب على المرأة الكبيرة في عدة الوفاة دون الطلاق ترك التزين ، وعلى ولي الصغيرة أن يجنبها ما تتجنبه الكبيرة ، ولا فرق بين أن تكون مسلمة أو كتابية مات زوجها المسلم أن تحقق موته ، بل وإن كان مفقودا فإن زوجته تعتد عدة وفاة ، وتترك التزين مدة العدة لأنه ميت حكما .